الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
149
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
حقيقة باعتبار كونه بين أيديهم ، وأوتوا نصيبا منه باعتبار جريان أعمالهم على خلاف ما جاء به كتابهم ، فالذي لم يعملوا به منه كأنّهم لم يؤتوه . وجيء بالصلتين في قوله : بِما نَزَّلْنا وقوله : « بما معكم » دون الاسمين العلمين ، وهما : القرآن والتوراة : لما في قوله : بِما نَزَّلْنا من التذكير بعظم شأن القرآن أنّه منزل بإنزال اللّه ، ولما في قوله : لِما مَعَكُمْ من التعريض بهم في أنّ التوراة كتاب مستصحب عندهم لا يعلمون منه حقّ علمه ولا يعملون بما فيه ، على حدّ قوله : كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً [ الجمعة : 5 ] . وقوله : مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً تهديد أو وعيد ، ومعنى : مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ أي آمنوا في زمن يبتدئ من قبل الطمس ، أي من قبل زمن الطمس على الوجوه ، وهذا تهديد بأن يحلّ بهم أمر عظيم ، وهو يحتمل الحمل على حقيقة الطمس بأن يسلّط اللّه عليهم ما يفسد به محيّاهم فإنّ قدرة اللّه صالحة لذلك ، ويحتمل أن يكون الطمس مجازا على إزالة ما به كمال الإنسان من استقامة المدارك فإنّ الوجوه مجامع الحواسّ . والتهديد لا يقتضي وقوع المهدّد به ، وفي الحديث « أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يجعل اللّه وجهه وجه حمار » . وأصل الطمس إزالة الآثار الماثلة . قال كعب : عرضتها طامس الأعلام مجهول وقد يطلق الطمس مجازا على إبطال خصائص الشيء المألوفة منه . ومنه طمس القلوب أي إبطال آثار التميّز والمعرفة منها . وقوله : فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها عطف لمجرد التعقيب لا للتسبّب ؛ أي من قبل أن يحصل الأمران : الطمس والردّ على الأدبار ، أي تنكيس الرؤوس إلى الوراء ، وإن كان الطمس هنا مجازا وهو الظاهر ، فهو وعيد بزوال وجاهة اليهود في بلاد العرب ، ورميهم بالمذلّة بعد أن كانوا هناك أعزّة ذوي مال وعدّة ، فقد كان منهم السموأل قبل البعثة ، ومنهم أبو رافع تاجر أهل الحجاز ، ومنهم كعب بن الأشرف ، سيّد جهته في عصر الهجرة . والردّ على الأدبار على هذا الوجه : يحتمل أن يكون مجازا بمعنى القهقرى ، أي إصارتهم إلى بئس المصير ؛ ويحتمل أن يكون حقيقة وهو ردّ هم من حيث أتوا ، أي